قانون انتاج الكهرباء من الطاقات المتجددة : الخلاف المتجدد

par Observatoire Tunisien de l'Economie

مازال الملف الطاقي في تونس يثير جدلا واسع النطاق داخل الاوساط السياسية. وقد أعاد مشروع قانون انتاج الكهرباء من الطاقات المتجددة الخلاف حول انتاج الطاقة في تونس الى السطح ليطفو من جديد حاملا معه حزمة جديدة من الصراعات حول الموضوع ويسلط الاضواء على جوانب خفية متعلقة بالملف الطاقي تحت قبة المجلس.

أصل الخلاف

يعود أصل الخلاف حول قانون الطاقات المتجددة الى المجلس الوطني التأسيسي، إثر بلوغ مراسلة من رئاسة الحكومة إلى مكتب الضبط مع ملحوظة « عاجل » للتسريع في مناقشة مشروع قانون انتاج الكهرباء من الطاقات المتجددة رفقة مجموعة مشاريع أخرى متعلقة بالشأن الاقتصادي، وسط تهديد من الحكومة التونسية بانهيار قدراتها المالية وأنها قد تعجز حتى عن خلاص المرتبات إذا لم يتمكنوا من المصادقة عليه في وقت وجيز نظرا للتعهدات التي قدمتها الحكومة للمنظمات الدولية المانحة للقروض (صندوق النقد الدولي والبنك الدولي) في اطار اصلاحات هيكلية تسند في مقابلها للدولة التونسية قروض رقاعية علاوة على مواصلة صرف أقساط من قرض ضمان أسند سنة 2013، لتبدأ بذلك القصة.

المشروع الذي تمت المصادقة عليه في مجلس وزاري في شهر نوفمبر من سنة 2013، يضع النظام القانوني للأطراف التي يمكن لها انتاج الكهرباء وبيعها ويضع في قائمة الأولويات الوطنية اعداد استراتيجية طاقية وبالخصوص استراتيجية للكهرباء والغاز خلال الخمس سنوات المقبلة، كما يفتح الابواب امام طرف جديد في المجال وهو الخواص وتفقد الدولة بذلك احتكارها لإنتاج هذه المادة الطاقية عن طريق الشركة التونسية للكهرباء والغاز لتتحول إلى مادة استثمارية تحكمها قواعد السوق العالمية لا الحاجيات الداخلية.

خروقات اجرائية ونص غير دستوري

ينص الفصل 13 من الدستور على أن  » الثروات الطبيعية ملك للشعب التونسي، تمارس الدولة السيادة عليها باسمه.تعرض عقود الاستثمار المتعلقة بها على اللجنة المختصة بمجلس نواب الشعب. وتعرض الاتفاقيات التي تبرم في شأنها على المجلس للموافقة »، إلا ان مشروع القانون ينص على تولي الوزير المكلف بملف الطاقة  إسناد التراخيص ولزمات إنتاج الكهرباء من الطّاقات المتجدّدة بمقتضى « إعلان سنوي يصدره الوزير المكلّف بالطّاقة » على أساس « قدرة كهربائيّة مركّبة قصوى تضبط بأمر » بعد أخذ « رأي اللّجنة الفنيّة » ممّا يمكن اعتباره غيابا لأسس إسناد واضحة ومعايير مضبوطة، بل يتجاوز الى حصر صلاحية اسناد العقود للوزير المكلف بملف الطاقة يتم الاعلان عنها في إعلان سنوي.

كما لا يتعرض نص القانون لمسألة عرض عقود اللزمات على لجنة الطاقة بمجلس نواب الشعب وعرض الاتفاقية المبرمة بشأن استثمار الكهرباء من الطاقات المتجددة للمصادقة عليها في الجلسة العامة للبرلمان، وتغيب عن اجراءات اسناد اللزمات أبسط قواعد الشفافية فلا يوضح نص القانون معايير اختيار المتعاقدين مما يفسح المجال للوزير المكلف سلطة حصرية في اسناد الرخص كما لم تلزمه بالإعلام وتعليل قراراته. دون الحديث عن أن نص القانون لا يتعرض لتكلفة المشروع و دون دراسة علمية حول قدرة الشركة التونسية للكهرباء والغاز على استيعاب الانتاج (قرابة 30 بالمائة بحلول سنة 2030). كما أن الشركة العمومية ستجد نفسها ملزمة بشراء ما تنتجه الشركات الخاصة، وهو ما يعني تعميق الخسائر لشركة تعاني من عجز مالي هام نظرا لفارق السعر بين الثمن المقدر للشراء وثمن البيع للاستهلاك، الشيء الذي ينبئ بالترفيع في أسعار البيع للاستهلاك للمواطنين ويرجح الكفة لرفع الدعم كليا للحد من تفاقم العجز المالي للشركة العمومية، ومزيد تردي القدرة الشرائية للمواطن.

كل هذه التجاوزات لم تقف حائلا امام المصادقة على مشروع القانون في جلسة عامة للمجلس الوطني التأسيسي يوم 18 سبتمبر 2014، وسط حضور محتشم للنواب وانشغال عام بما يدور في الحملات الانتخابية، فكان مروره في هدوء رغم اضراب أعوان الشركة الوطنية لاستغلال الكهرباء والغاز احتجاجا على المشروع. صمت لم يستطع أن يؤخر عاصفة  الانتقادات كثيرا، حيث قام  خمسة وثلاثون نائبا بالطعن في عدم دستورية القانون ومخالفته لأحكام الفصول 10 و12 و13 و14 و15 من الدستور وهو ما ارتكزت عليه المحكمة الدستورية المؤقتة لتحكم بقبول الطعن شكلا ومضمونا وتسقط بذلك الفصول 10 و12 و13 ليكون بذلك قانون الطاقات المتجددة اول قانون يحال على مجلس نواب الشعب لتعارضه مع مقتضيات الدستور.

عود على بدء

اعادة النظر في قانون انتاج الكهرباء من الطاقات المتجددة خلال الجلسة العامة لمجلس نواب الشعب المنعقدة يوم 01 أفريل 2015  أعاد النقاش الى نقطة الصفر، حيث طالب الطرف الحكومي بجلسة استماع امام لجنة الطاقة لتقديم مقترحات جديدة حول الفصول المسقطة من طرف الهيئة المؤقتة لدستورية القوانين، وقد افضت نتيجة التصويت الى احالته للجنة المختصة.

لم تكتف لجنة الصناعة والطاقة والقطاعات الانتاجية باعادة النظر في جميع فصول القانون رغم أنها غير ملزمة بذلك ويقتصر نظرها على مراجعة الفصول موضوع عدم المطابقة مع الدستور، بل عادت إلى النظر في القانون والنقاش حول ماهية الطاقات المتجددة لينشب جدل بين نواب اللجنة عند إعتراض النواب المؤسسين منهم الذين شهدوا صياغة الدستور ومطلعين على نية المشرع عند صياغة الفصل 13 من الدستور، والذين أكدوا أن النية ذهبت إلى اعتبار الطاقات المتجددة ثروات طبيعية تنطبق عليها مقتضيات الفصل 13، من حيث الرقابة على الاتفاقيات والعقود المبرمة حولها.

وكشفت العودة لتعريف الطاقات المتجددة، وجها آخر من الصراعات داخل اللجنة المذكورة. حيث اتضح وجود تضارب في المصالح لدى بعض أعضائها بين وظيفتهم النيابية ووظائفهم السابقة. حيث أكدت النائبة سامية عبو أن نائب رئيس لجنة الصناعة والطاقة والقطاعات الانتاجية يعمل في مجال انتاج الكهرباء من الطاقات المتجددة، وسيكون للمشروع تأثير مباشر على نشاطاته.

ان افتقار البلاد لثروات نفطية وتعويلها على استيراد حاجياتها، يجعل توجهها نحو حلول أخرى على غرار الطاقات المتجددة شرعيا ومبررا، إلا أنه في غياب حماية السيادة الاقتصادية للبلاد وعدم احترام قواعد الشفافية والتشاركية في اتخاذ القرارات يعتبر سعيها أعرجا سيزيد الأزمة حدة.

Ils ont dit …

   :   زياد الاخضر

من حق هذا المجلس أن يمارس سلطته الرقابية حول مقدرات الشعب وثرواته بصفته ممثلا له، فلولا الموقع الجغرافي للبلاد التونسية لما كنا ننقاش هذا القانون، لذا فمن البديهي ان يتم اعتبار الطاقات المتجددة من الثروات الطبيعية، وعليه يجب على اللجنة ان تلتزم بقرار الهيئة الدستورية المؤقتة وتعيد صياغة الفصول المسقطة بما يتوافق ومقتضيات الدستور.

    :  سامية عبو

يبدو ان الحكومة غير مستعدة لفتح الباب امام نواب الشعب ليقولوا كلمتهم في ما هو ملك للشعب، فمقترحات التعديل التي تقدمت الحكومة تصب في اتجاه سحب كل سلطة من لجنة الطاقة على عقود الاستثمار والاكتفاء بمجرد المعاينة فقط

    :  ليلى اولاد علي

لقد سعينا منذ عقود الى التشجيع على الاستثمار في الطاقات المتجددة لكن نجد نفسنا بعد كل هذه الفترة في مراكز متأخرة مقارنة بالمغرب ومصر في هذا المجال

    :  شهيدة بن فرج

اقر بان مشروع القانون بصياغته الحالية فيه نقائص كثيرة لكن لا افهم رغبة الوزير المكلف بالطاقة في تغيير كل هذه المقتضيات. لا اجد تبريرا لكل هذه المخاوف فالمشكل اجرائي بالأساس

    :  رشيد بن دالي الرئيس المدير العام لشركة الكهرباء والغاز

ان الفصل 13 من الدستور غير قابل للتطبيق لتضمنه عبارات غير دقيقة، التي من شانها ان تصعب صياغة قوانين مطابقة، لذا وجبت مراجعة هذا الفصل

ان تشريك الخواص في الاستثمار سيحدث ديناميكية في مجال الصناعة وسيعود بالفائدة على المجموعة الوطنية. حيث ان تحميل شركة عمومية بتكاليف المشاريع سيثقل كاهل الشركة ويدفعها الى التداين، الامر الذي سينعكس على فاتورة المواطن. لذا وجب التسريع في المصادقة على مشروع القانون، الذي من شانه ان يعود بالفائدة على المواطن

صبرا الشرايفة

Advertisements